عبد القادر الجيلاني

242

فتوح الغيب

المقالة التّاسعة والخمسون في الرّضا على البليّة والشّكر على النّعمة لا تخلو حالتك : إمّا أن تكون بليّة أو نعمة . فإن كانت بليّة فتطالب فيها بالتّصبّر ، وهو الأدنى ، والصّبر وهو أعلى منه ، ثمّ الرّضا والموافقة ، ثمّ الفناء ، وهو للأبدال . وإن كانت نعمة فتطالب فيها بالشّكر عليها ، والشّكر باللّسان والقلب والجوارح : أمّا باللّسان : فالاعتراف بالنّعمة أنّها من اللّه عزّ وجلّ ، وترك الإضافة إلى الخلق لا إلى نفسك وحولك وقوّتك وكسبك ولا إلى غيرك من الّذين جرت على أيديهم ، لأنّك وإيّاهم أسباب وآلات وأداة لها ، وإنّ قاسمها ومجريها وموجدها والشّاغل فيها والمسبّب لها هو اللّه عزّ وجلّ ، والقاسم هو اللّه ، والمجري هو ، والموجد هو ، فهو أحقّ بالشّكر من غيره . لا نظر إلى الغلام ( الحمّال ) للهديّة إنّما النّظر إلى الأستاذ المنفّذ المنعم بها ، قال اللّه تعالى في حقّ من عدم هذا المنظر « 1 » : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [ الروم : 7 ] . فمن نظر إلى الظّاهر والسّبب ولم يجاوز علمه ومعرفته فهو الجاهل النّاقص قاصر العقل ، إنّما سمّي العاقل عاقلا لنظره في العواقب . وأمّا الشّكر بالقلب : فبالاعتقاد الدّائم ، والعقد الوثيق الشّديد المنبرم . إنّ جميع ما بك من النّعم والمنافع واللّذّات في الظّاهر والباطن في حركاتك وسكناتك من اللّه عزّ وجلّ لا من غيره ، ويكون شكرك بلسانك معبّرا عمّا في قلبك ، وقد قال عزّ وجلّ : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] . وقال تعالى : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [ لقمان : 20 ] . وقال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عليكم لا تُحْصُوها * [ إبراهيم : 34 والنحل : 18 ] . فمع هذا لا يبقى لمؤمن منعم سوى اللّه تعالى .

--> ( 1 ) في نسخة : ( النظر ) .